حياة السلف
حياة السلف بين القول والعمل · بطاقة 4107
قال ابن القيم رحمه الله: الخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله. قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، فهي خوف مقرون بمعرفة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية». فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون؛ فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما حركة للهرب منه، وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه، وهي الخشية. ومنه: انخشى الشيء، والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضي البازي وتقضض. وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع. وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته. وأما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة. والإجلال تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية»، وفي رواية: «خوفًا». وقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى». فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم. ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق؛ فالأول يلتجئ إلى الحمية والهرب، والطبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء. قال أبو حفص: الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه. وقال: الخوف سراج في القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر. وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله عز وجل، فإنك إذا خفته هربت إليه؛ فالخائف هارب من ربه إلى ربه. قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها. وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق. وقال حاتم الأصم: لا تغتر بمكان صالح، فلا مكان أصلح من الجنة، ولقي فيها آدم ما لقي. ولا تغتر بكثرة العبادة، فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي. ولا تغتر بكثرة العلم، فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي، وكان يعرف الاسم الأعظم. ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم، فلا شخص أصلح من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون. والخوف ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل؛ ولهذا يزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والخوف يتعلق بالأفعال، والمحبة تتعلق بالذات والصفات؛ ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم، ولا يلحقهم فيها خوف. ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه. والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.
المرجع كما ورد في بيانات المجموعة: الكلم الطيب، حياة السلف بين القول والعمل 17